الآلوسي
24
تفسير الآلوسي
* ( وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَات ) * بالمعجزات أو الآيات الواضحات * ( فمَا كَانَ اللَّهُ لَيُظْلمَهُمْ ) * أي فكذبوهم فأهلكهم فما كان الله تعالى شأنه ليهلكهم من غير جرم يستدعيه من قبلهم ، وفي التعبير عن ذلك بالظلم إظهار لكمال نزاهته تعالى عنه وإلا فقد قال أهل السنة : إن إهلاكه تعالى من غير جرم ليس من الظلم في شيء لأنه عز وجل مالك والمالك يفعل بملكه ما يشاء والنزاع في المسألة شهير * ( وَلَاكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلَمُونَ ) * حيث ارتكبوا باختيارهم من المعاصي ما أوجب بمقتضي الحكمة ذلك ، وتقدم * ( أنفسهم ) * على * ( يظلمون ) * للفاصلة ؛ وجوز أن يكو للحصر بالنسبة إلى الرسل الذين يدعونهم . * ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوءَى أَن كَذَّبُواْ باايَاتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) * . * ( ثُمَّ كَانَ عَاقبَةَ الَّذينَ أَسَاؤُا ) * أي عملوا السيئات ، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والإشعار بعلة الحكم ، و * ( ثم ) * للتراخي الحقيقي أو للاستبعاد والتفاوت في الرتبة * ( السُّوأَى ) * أي العقوبة السوأى وهي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السوء ، وهي مرفوعة على أنها اسم كان وخبرها * ( عاقبة ) * . وقرأ الحرميان . وأبو عمرو * ( عاقبة ) * بالرفع على أنه اسم كان و * ( السوأى ) * بالنصب على الخبرية ، وقرأ الأعمش . والحسن * ( السوي ) * بإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو فيها ، وقرأ ابم مسعود * ( السوء ) * بالتذكير * ( أَنْ كَذَّبُوا بآيَات الله ) * علة للحكم المذكور أي لأن أو بأن كذبوا وهو في الحقيقة مبين لما أشعر به وضع الموصول موضع الضمير لأنه مجمل . وقوله تعالى : * ( وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزؤُن ) * عطف على * ( كذبوا ) * داخل معه في حكم العلية وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده ، وجوز أن يكون * ( السوأى ) * مفعولاً مطلقاً لأساؤا من غير لفظه أو مفعولاً به له لأن أساؤا بمعنى اقترفوا واكتسبوا ، والسوأى بمعنى الخطيئة لأنه صفة أو مصدر مؤول بها وكونه صفة مصدر أساؤا من لفظه أي الإساءة السوأى بعيد لفظاً مستدرك معنى ، و * ( إن كذبوا ) * اسم كان ، وكون التكذيب عاقبتهم مع أنهم لم يخلوا عنه إما باعتبار استمراره أو باعبار أنه عبارة عن الطبع ، وجوز أيضاً أن يكون أن كذبوا بدلاً من * ( السوأى ) * الواقع اسماً لكان أو عطف بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي إن كذبوا ، وأن تكون * ( أن ) * تفسيرية بمعنى أي والمفسر إما أساؤا أو * ( السوأى ) * فإن الإساءة تكون قولية كما تكون فعلية فإذن ما قبلها مضمن معنى القول دون حروفه ويظهر ذلك التضمن بالتفسير ، وإذا جاز * ( وانطلق الملأ منهم إن أمشوا ) * ( ص : 6 ) فهذا أجوز فليس هذا الوجه متكلفاً خلافاً لأبي حيان . وجوز في قراءة الحرميين . وأبي عمرو أن تكون * ( السوأي ) * صلة الفعل * ( وأن كذبوا ) * تابعاً له أو خبر مبتدأ محذوف أو على تقدير حرف التعليل وخبر كان محذوفاً تقديره وخيمة ونحوه . وتعقب ذلك في " البحر " فقال : هو فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف وقد تكلف له محذوف لا يدل عليه دليل ، وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان . * ( اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * . * ( اللَّهُ يَبْدؤُا الْخَلْقَ ) * أي ينشئهم . وقرأ عبد الله وطلحة * ( يبدىء ) * بضم الياء وكسر الدار ، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر فما بالعهد من قدم . * ( ثُمَّ يُعيدُهُ ) * بالبعث * ( ثُمَّ إلَيْه تُرْجَعُونَ ) * للجزاء ، وتقديم المعمول للتخصيص ، وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد وإيهام إن ذلك مخصوص بهم فهو التفات للمبالغة في الوعيد والترهيب . وقرأ أبو عمرو . وروح * ( يرجعون ) * بياء الغيبة كما هو الظاهر .